محمد رأفت سعيد

107

تاريخ نزول القرآن الكريم

أنه يطمع أن يدخله الله الجنة استمرارا لنعمة المال والبنين ، وما لذ وطاب من النعيم فينسب إلى الوليد قوله : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي . وقطع الله رجاءه في الجانبين كَلَّا أي لن أزيده ، فلم يزل يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك ، كما توعده سبحانه بقوله سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) قال ابن عباس : المعنى : سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيه ، وقيل : إنه تصاعد نفسه للنزع ، وإن لم يعقبه موت ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه « 1 » . وأما وعيد الله سبحانه له في الآخرة فيقول الله تعالى : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) أي سأدخله سقر لكي يصلى حرها . وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ( 27 ) أي وما أعلمك أي شئ هي ؟ وهذه كلمة تعظيم ومبالغة في وصفها ، ثم فسر حالها لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ( 28 ) لا تذر لهم عظاما ولا لحما ولا دما إلا أحرقته ثم يعادون خلقا جديدا ، فلا تزد أن تعاود إحراقهم هكذا أبدا لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 ) أي مغيرة فتلفح وجوههم لفحة تدعها أشد سوادا من الليل عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) وهذا الوعيد بتلك الحالة ينبه أصحاب الأموال الممدودة والبنين الشهود أن العواقب خطيرة ، لا تبقى ولا تذر في الدنيا ولا في الآخرة ، فالذي أعطى هو الذي يمنع في الدنيا ، والكفر والعناد من سبل الحرمان والنقم ، ومن سبل الوصول إلى سقر التي لا تبقى ولا تذر . وتفصل الآيات بعد مظاهر النعم ومن خلالها مظاهر العناد من هذا البشر العجيب الذي يمنح الرزق فيكفر بالرازق ويعاند . فمن هذه المظاهر : كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) أي معاندا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وما جاء به من آيات ربه ، كما يعنى العناد مخالفة الحق ورده مع معرفته بأنه حق ، وقيل : يعنى المجاهر بعداوته ، وعن مجاهد قال : مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه . والمعاني كما نرى متقاربة في بيان هذا النموذج من الناس الذين لم يكتفوا بالإعراض بل عاندوا وجاهروا بالعدوان والصد عن دين الله ، واستمروا على ذلك بتدبر خبيث وإصرار واستمرار لهذه العداوة ، ومن مظاهر ذلك ما ذكر في حق الوليد هذا من قوله تعالى : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 )

--> ( 1 ) القرطبي 19 / 74 .